عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

62

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

آفة هذا المنظر : صرف الوقت بجهة من الحقائق ، دون الحيطة ، والجمع الذاتي . فإن صاحب المنظر الكمالي ، لا يغلب على حاله ، إلا ما اقتضاه شأن الحق في ذلك الحال . فلا يظهر عليه صفة ، ولا اسم ، بل يكون أثر اللّه تعالى ظاهرا عليه ، في كل وقت ، بما يقتضيه الوقت . وهؤلاء هم أهل المراتب ، ولذلك كانت صفة الكمال ظاهرة على سيدنا محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، بما نهى وأمر ، وأخبر ، واخترق العادات ، وهدى ، وقطع ، ووصل . ولم يختص بظهور شيء دون شيء ، بل ظهرت عليه آثار سائر الكمالات ، فبذلك استحق التقدم على سائر الأنبياء والأولياء . وليس على هذا القدم الكمالي المحمدي ، إلا آحاد الآحاد ، من الأقطاب والأفراد . أولئك أهل لواء الحمد ، يحشرون مع النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، تحت ذلك اللواء ، هم ومن كان على هذا القدم ، من الأنبياء والأولياء . ولا يعرف ذوق ما قلناه إلا الغرباء . * * * منظر ( الأسرار ) السر الذي بين العبد وبين الرب ، مما أشار الحديث النبوي إليه أنه : « لا يطلع عليه ملك مقرّب ، ولا نبي مرسل » « 1 » هو ذات العبد ، وهيئته ، وما فيها من مقتضيات شؤونه الإلهية ، التي ليس للمخلوق أن يعلم كنهها ، وماهيتها . فلا يعلم ما هو إلا هو ، فلا يعلم ملك مقرب ، ولا نبي مرسل : ما ذلك الشيء . ويعلم العبد الذي هو سره لأن اللّه تعالى قد جعله مظهرا لذلك ، فهو قابل لعلمه ، إذا أعلمه اللّه تعالى . فمن الناس من يعلمه ، ومن الناس من لا يعلمه . وكل تحفة ، أو سر طرفة ، أو خلعة ، أو موهبة ، أو ولاية ، يشرف اللّه بها عبده - فإنها جميعها مما قد جعله اللّه تعالى ، من الأزل ، في سره . فلا يحصل للعبد خبر ، بمعنى من المعاني ، ولا في وقت من الأوقات ، إلا مما قد جعله اللّه في سره من الأزل . فلا عنده ، إلا مأمنه ، ويبقى ما هو للّه تعالى ، من وراء ما هو سر هذا العبد ، لا يعلمه إلا هو .

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء برقم ( 1765 ) [ ج 2 ص 89 ] . والديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب برقم ( 3410 ) [ ج 2 ص 312 ] وأورده غيرهما .